السيد محمد تقي المدرسي

102

من هدى القرآن

يقبضون شيئاً ، كَمَنَ يصطاد الهواء بالشبك ، إنهم لا يعلمون ما هو الشيء الباقي وما هو الشيء الزائل فمثلًا يتعب الواحد منهم على أولاده ، ويضع جهوده ودينه وقيمه عليهم حتى يكبروا ، وما أن يبلغوا أشدهم ويعتمدوا على أنفسهم حتى يتركوا أباهم وحيداً في حسرته ، وأقصى ما ينفعونه تشييعه إلى مثواه الأخير ، وقراءة الفاتحة على روحه أما في القبر والمحشر وعند الميزان فلا يغني أحد عن أحد شيئاً . وكذلك عندما يسعى الإنسان من أجل الأموال ليكرس الملايين فوق بعضها . لقد مات ( فورد ) صاحب شركة السيارات المعروفة في خزائن أمواله ، حيث كانت عنده خزانة حديدية ضخمة مؤلفة من عدة غرف متداخلة لكل منها باب ، وكان يحتفظ بذهبه ومجوهراته وأشيائه الثمينة في الغرفة المركزية ، وفي يوم دخل إلى مكانه المحبب هذا ليتمتع ناظريه ويرفه قليلًا عن نفسه وكان كلما يدخل باباً يوصده من ورائه ، حتى إذا دخل في غرفة السعادة أوصدها على نفسه ، وقد نسي المفتاح في الخارج ، وعندما شبع من النظر إلى متاع الدنيا الرخيص أراد الخروج فلم يقدر ، فظل يصرخ ويصرخ ، ولكن صوته لم يكن ليخترق تلك الجدران الحديدية المتراكبة فوق بعضها ، فمكث عدة أيام على هذا الحال إلى أن مات . إن هذا الإنسان الضال لم تنفعه أمواله ، ولم تنقذه من الجوع والعطش في الدنيا حيث المال له قيمة ، فما بالك في الآخرة حيث لا قيمة للمال إطلاقا ؟ ! . [ 105 ] أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ إن السبب في وصول الإنسان إلى هذا الدرك الأسفل هو : إعراضه عن آيات الله ، وعدم استعداده للقائه ، وهذا هو الكفر بالمبدأ والمعاد . وأساساً يؤمن الإنسان وجدانياً بالله ، ويبحث بفطرته عن المعاد ، ولكن من الصعب عمليًّا أن يصل الإنسان إلى مستوى الإيمان بالله واليوم الآخر ، لذلك فهو يحتاج إلى مزيد من الإرادة والعزم ليصعد على هذه القمة فيحوّل إيمانه من إطار الفطرة والوجدان إلى إطار العمل والتطبيق . إن نفوس الكفار أصغر ، وعزائمهم أضعف ، وهممهم أتفه من أن تصل إلى حقيقة الإيمان ، لذلك تجدهم ينكرون آيات الله ويكذبون بلقائه . فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ إن أعمال الإنسان لا تحفظ إلا في إطار الإيمان بالله واليوم الآخر ، كما يحفظ الماء في البرميل السليم ، أما وضع أعماله في أي ظرف آخر فسوف تكون كالماء الموضوع في برميل لا قعر له .